جئتم أهلا، ووطئتم سهلا، وصادفتم مرحبا، طبتم وطاب ممشاكم وتبوأتم من الجنة منزلا. أهلا وسهلا يا من نورتمونا بطلوع شمسكم الباهرة، وبتبسم وجوهكم النيرة المتألقة، وبهمتكم العالية، وحماستكم الصارمة المتوقدة، وعزيمتكم الصادقة الصافية. كلمة ألقيها من سويداء فؤادي لمن غادر البلاد والعباد، وترك الأهل والجيران والوطن، من أجل تحقيق الهدف الحسن. لكم من الله رحمة ورضوان، حيث يتحقق فيكم قول الله تبارك وتعالى: (وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون).

ويا من هاجرتم إلى الله ورسوله، ولنعمت الهجرة هذه، ويا لها من خصال عظيمة، وصنيعة كريمة، لا ينالها إلا من يحب الله ويحبه. ويا حبذا طلبكم ويا لها من بهجة وسرور، إنه ليكفيكم شرفا أن يدعو لكم كل من في السموات والأرض حتى النملة في جحرها والحيتان في قاع بحرها، وتضع لكم الملائكة أجنحتها رضا بما تطلبون كما أخبرنا به حبيبنا صلى الله عليه وسلم: (من سلك طريقا يبتغي فيه علما سهل الله له طريقا إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يصنع، وان العالم ليستغفر له من في السموات ومن في الأرض حتى الحيتان في الماء، وفضل العالم عل العابد كفضل القمر على سائر الكواكب، وان العلماء ورثة الأنبياء، وان الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما إنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر) رواه أبو داود والترمذي. يا لها من كرامات لطلبة العلم وأهله، بالله عليكم أيها الإخوة والأخوات، فهل هناك شرف بعد هذا الشرف؟ أبدا...
ومن النعم والمنن التي لا بد أن تشكروه عليها أنكم – بفضل الله – قد وصلتم إلى أرض الكنانة، أرض الأنبياء، أرض يوسف وهارون وموسى، لقد جئتم إلى أم الدنيا بتاريخها العريق وحضارتها الأصيلة، ووطأتم أقدامكم في أرض مصر، البلد الوحيد الذي كثر ذكره في القرآن الكريم، ترى كم مرة ورد ذكر مصر في القرآن؟ قال البعض إن مصر ذكرت – تصريحا وتلميحا -  ثمانية وعشرون مرة، ومنهم من قال أربعة وعشرون مرة. ولكن الشيء المؤكد أن كلمة "مصر" بالذات ذكرت خمس مرات وذلك في المواضع كالآتي:



1. في سورة البقرةالأية 61 (( اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ ))



2. في سورة يوسف الأية 21 (( وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ ))



3. في سورة يوسف الأية 99 (( وَقَال ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ ))



4. في سورة يونس الأية 87 (( وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوآ لقومكما بمصر بيوتا))



5. في سورة الزخرف الأية 51 (( وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي))



الله،،،، الله،،،،، على مصر، يا لها من تكريم و تشريف لهذه البلدة التي خلدها القرآن بذكرها إلى قيام الساعة. ويا لها من فخر واعتزاز لأهلها والوافدين إليها. وهذا الذكر الصريح في القرآن للفظة "مصر" لها أسرارها وحِكَمها حيث جعلها الله مذكورا في كتابه. ناهيك عما ورد ذكرها بالتلميح مرة وبالإشارة أخرى مثل الطور، وسيناء، وما جرى من قصة الأنبياء مثل يوسف وقصة موسى وهارون مع فرعون وما إلى ذلك. فلا غرو إذن أن يكثر ذكر مصر في القرآن.

ولنا أن نتساءل، ولم ذكرت مصر بالذات دون غيرها من سائر البلدان والشعوب؟ ولما خلدها القرآن لتكون جزءا من كلماته؟ الجواب عن هذا السؤال يطول، ولم يكن في مقالتي مقامه، ولا يتسع فيها مجاله، والمقتضى يقتضي الإيجاز، ولكن أنبّهكم بالشيء المؤكد أن وراء ذكرها أسرارا عظيمة وحكما جليلة وإرادة إلهية نافذة.

أيها الطلبة الجدد،،، فهل بعد هذا إلا أن نشكر الله عز وجل على هذه النعم التي منّ الله بها علينا حيث مكّننا ووطّأ أقدامنا في هذه البلدة التي شرفها الله بذكرها. أحبوها مثل حبكم لأنفسكم ووطنكم، ولا يحقرنّ أحد من شأن هذه البلدة الطيبة المباركة.

وبعد هذا التكريم والتعظيم والتبجيل والتشريف لأرض مصر، لقد زيّنها الله وتوّجها بإكليل من الأزهر وحدائق العلم والعلماء. وفي ربوع أرضها الطيبة تجمعت آلاف طلبة العلم من شتى بقاع الأرض، من شرقها وغربها، حيث تحمّل أزهرها الشريف عبء رسالة الإسلام منذ ألف سنة. وأصبح الأزهر الشريف صرحا منيعا للإسلام ولعلومه وصار قلعة للشريعة الغراء كما أنه قبلة العلم للعالم الإسلامي بمنهجه الوسطي.

فبأي آلاء ربكما تكذبان؟؟؟ ها أنتم قد حققتم أحلامكم وأنجزتم آمالكم لتنهلوا من نبع الأزهر الصافي، ولتتعرفوا على العلوم من مصدره الأصيل، لا كدر ولا غلو ولا إفراط ولا التفريط. ها أنتم قد شاهدتم جامع الأزهر برؤية أعينكم بعد أن كان في ظلمات الخيال والأوهام. كم من أناس من آلاف إخوانكم يتمنون أن تلحقوا بكم في الدراسة ولكن حال بينهم وبين الأزهر حائل وعاقت بهم العوائق وضاقت بهم السبل حتى لا يتمكنوا ولا يتمتعوا بمثل ما أنتم فيه.




فهل بعد هذا تجحدون النعم ولا تشكرون عليها؟ فهل بعد كل هذا تتكاسلون وترجعون على أعقابكم؟ كلا...



أيها الإخوة الأعزاء، إنكم ستعرفون أن الدراسة في الأزهر بحاجة ملحة إلى الوعي النفسي لأنه لا يوجد من يراقبكم في الدراسة مثل ما كنتم في بلدكم. المراقب هو أنفسكم. نعم هو أنفسكم، فالنجاح نجاحكم والفشل فشلكم. وأنتم ستجدون بيئة جديدة، وأشياء جديدة، وثقافات متنوعة، والعادات والتقاليد الغريبة. اجعلوا كل حركاتكم وسكناتكم من أجل العلم، واغتنموا أوقاتكم لأشياء نافعة، ولا تغرقوا في بحار اللهو واللعب ولا يغرنكم الشيطان بوساوسه الماكرة الخادعة. لأنكم جئتم من أجل أن ترجعوا، ودرستم من أجل أن تعلموا.فلا مناص ولا منجى إلا أن تعودو إلى هدفكم الأساسي الذي جئتم هنا من أجله. واستعينوا بالله ولا تعجز. قال النبي صلى الله عليه وسلم احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت لكان كذا وكذا ولكن قلْ: قدر الله وما شاء فعل.



ولله در الإمام الشافعي إذ قال:



ما في المقام لذي عقل وذي أدب ***     مِنْ رَاحَة ٍ فَدعِ الأَوْطَانَ واغْتَرِبِ



سافر تجد عوضاً عمَّن تفارقهُ   ***   وَانْصِبْ فَإنَّ لَذِيذَ الْعَيْشِ فِي النَّصَبِ



إني رأيتُ وقوفَ الماء يفسدهُ    ***   إِنْ سَاحَ طَابَ وَإنْ لَمْ يَجْرِ لَمْ يَطِبِ



والأسدُ لولا فراقُ الأرض ما افترست *** والسَّهمُ لولا فراقُ القوسِ لم يصب



والشمس لو وقفت في الفلكِ دائمة  ***     لَمَلَّهَا النَّاسُ مِنْ عُجْمٍ وَمِنَ عَرَبِ



والتَّبْرَ كالتُّرْبَ مُلْقَى ً في أَمَاكِنِهِ   ***     والعودُ في أرضه نوعً من الحطب



فإن تغرَّب هذا عزَّ مطلبهُ         ***       وإنْ تَغَرَّبَ ذَاكَ عَزَّ كالذَّهَبِ



 ____________________________



بقلم: موليادي أحمد





0 komentar:

Posting Komentar

 
Top